ابن قيم الجوزية

372

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

هذه مراقبة لمراقبة اللّه لك . فهي مراقبة لصفة خاصة معينة . وهي توجب صيانة الباطن والظاهر . فصيانة الظاهر : بحفظ الحركات الظاهرة . وصيانة الباطن : بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة ، التي منها رفض معارضة أمره وخبره . فيتجرد الباطن من كل شهوة وإرادة تعارض أمره ، ومن كل إرادة تعارض إرادته . ومن كل شبهة تعارض خبره . ومن كل محبة تزاحم محبته . وهذه حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى اللّه به . وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقربين العارفين . وكل تجريد سوى هذا فناقص . وهذا تجريد أرباب العزائم . ثم بيّن الشيخ سبب المعارضة ، وبماذا يرفضها العبد . فقال : « بالإعراض عن الاعتراض » فإن المعارضة تتولد من الاعتراض . و « الاعتراض » ثلاثة أنواع سارية في الناس . والمعصوم من عصمه اللّه منها : النوع الأول : الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشّبه الباطلة ، التي يسميها أربابها قواطع عقلية . وهي في الحقيقة خيالات جهلية ، ومحالات ذهنية . اعترضوا بها على أسمائه وصفاته عزّ وجلّ . وحكموا بها عليه ، ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه ، وأثبته له رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وأثبتوا ما نفاه ، ووالوا بها أعداءه . وعادوا بها أولياءه . وحرفوا بها الكلم عن مواضعه . ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكّروا به وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا ، كل حزب بما لديهم فرحون . والعاصم من هذا الاعتراض : التسليم المحض للوحي . فإذا سلم القلب له : رأى صحة ما جاء به ، وأنه الحق بصريح العقل والفطرة . فاجتمع له السمع والعقل والفطرة . وهذا أكمل الإيمان . ليس كمن الحرب قائم بين سمعه وعقله وفطرته . والنوع الثاني : الاعتراض على شرعه وأمره . وأهل هذا الاعتراض : ثلاثة أنواع : أحدها : المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم ، المتضمنة تحليل ما حرم اللّه سبحانه وتعالى ، وتحريم ما أباحه ، وإسقاط ما أوجبه ، وإيجاب ما أسقطه ، وإبطال ما صححه ، وتصحيح ما أبطله ، واعتبار ما ألغاه ، وإلغاء ما اعتبره ، وتقييد ما أطلقه ، وإطلاق ما قيده . وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمّها ، والتحذير منها . وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض . وحذّروا منهم ، ونفروا عنهم . النوع الثاني : الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات ، والكشوفات الباطلة الشيطانية ، المتضمنة شرع دين لم يأذن به اللّه ، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله ، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان ، وحظوظ النفوس الجاهلة . والعجب أن أربابها ينكرون على أهل الحظوظ . وكل ما هم فيه فحظ ، ولكن حظّهم متضمن مخالفة مراد اللّه ، والإعراض عن دينه ، واعتقاد أنه قربة إلى اللّه . أين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات ، المعترفين بذمها ، المستغفرين منها ، المقرين بنقصهم وعيبهم ، وأنها منافية للدين ؟ . وهؤلاء في حظوظ اتخذوها دينا ، وقدموها على شرع اللّه ودينه . واغتالوا بها القلوب . واقتطعوها عن طريق اللّه . فتولد من معقول أولئك ، وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة ، وأذواق هؤلاء خراب العالم ، وفساد الوجود ، وهدم قواعد الدين ، وتفاقم الأمر وكاد . لولا أن اللّه ضمن